ابن كثير
106
البداية والنهاية
لكم بيوت بمستن السيوف وهل * يبنى على الماء بيت أسه مدر وقال سفيان الثوري قال عيسى بن مريم : لا يستقيم حب الدنيا وحب الآخرة في قلب مؤمن كما لا يستقيم الماء والنار في إناء . وقال إبراهيم الحربي عن داود بن رشيد ، عن أبي عبد الله الصوفي قال قال عيسى : طالب الدنيا مثل شارب ماء البحر كلما ازداد شربا ازداد عطشا حتى يقتله . وعن عيسى عليه السلام : إن الشيطان مع الدنيا ومكره مع المال ( 1 ) وتزينه مع الهوى واستمكانه عند الشهوات . وقال الأعمش عن خيثمة : كان عيسى يضع الطعام لأصحابه ويقوم عليهم ويقول : هكذا فاصنعوا بالقرى . وبه قالت امرأة لعيسى عليه السلام : طوبى لحجر حملك ولثدي أرضعك . فقال : طوبى لمن قرأ كتاب الله واتبعه . وعنه طوبى لمن بكى من ذكر خطيئته وحفظ لسانه ووسعه بيته . وعنه : طوبى لعين نامت ولم تحدث نفسها بالمعصية وانتبهت إلى غير اثم . وعن مالك بن دينار قال : مر عيسى وأصحابه بجيفة فقالوا : ما أنتن ريحها فقال : ما أبيض أسنانها . لينهاهم عن الغيبة . وقال أبو بكر بن أبي الدنيا : حدثنا الحسين بن عبد الرحمن ، عن زكريا بن عدي قال : قال عيسى ابن مريم : يا معشر الحواريين ارضوا بدني الدنيا مع سلامة الدين كما رضي أهل الدنيا بدني الدين مع سلامة الدنيا . قال زكريا وفي ذلك يقول الشاعر : أرى رجالا بأدنى الدين قد قنعوا * ولا أراهم رضوا في العيش بالدون فاستغن بالدين عن دنيا الملوك كما * استغنى الملوك بدنياهم عن الدين وقال أبو مصعب عن مالك قال عيسى بن مريم عليه السلام : لا تكثروا الحديث بغير ذكر الله فتقسو قلوبكم فإن القلب القاسي بعيد من الله ولكن لا تعلمون ، ولا تنظروا في ذنوب العباد كأنكم أرباب وانظروا فيها كأنكم عبيد ، فإنما الناس رجلان معافى ومبتلى فارحموا أهل البلاء واحمدوا الله على العافية وقال الثوري : سمعت أبي يقول عن إبراهيم التيمي ، قال : قال عيسى لأصحابه : بحق أقول لكم : من طلب الفردوس فخبز الشعير والنوم في المزابل مع الكلاب كثير . وقال مالك بن دينار قال عيسى : إن أكل الشعير مع الرماد والنوم على المزابل مع الكلاب لقليل في طلب الفردوس . وقال عبد الله بن المبارك : أنبأنا سفيان ، عن منصور ، عن سالم بن أبي الجعد ، قال : قال عيسى : اعملوا لله ولا تعملوا لبطونكم انظروا إلى هذا الطير تغدو وتروح لا تحرث ولا تحصد والله يرزقها ، فإن قلتم نحن أعظم بطونا من الطير فانظروا إلى هذه الأباقر ( 2 ) من الوحوش والحمر فإنها تغدو وتروح لا تحرث ولا تحصد والله يرزقها [ اتقوا فضول الدنيا فإن فضول الدنيا عند الله رجز ] ( 3 ) . وقال صفوان بن عمرو : عن شريح بن عبد الله ، عن يزيد بن ميسرة ، قال : قال
--> ( 1 ) في نسخ البداية المطبوعة ، وفكرة من المال . ( 2 ) في نسخ البداية المطبوعة : الأباقير وهو تحريف . ( 3 ) ما بين معكوفين سقطت من أصول البداية ، واستدركت العبارة من نص الحديث في كتاب الزهد لابن المبارك ; وروى الحديث ابن مالك في الموطأ .